الكرامة الحسينية

(فقنا عذاب النار)، وأنواع العذاب الإلهي – ٣ محرم

٣ محرم – وكلُّ حيٍّ سالكٌ سبيلِ  –   (فقنا عذاب النار)، وأنواع العذاب الإلهي

عناصر الحديث

▪️يتضمن قوله تعالى (ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار، ) النتائج الثلاثة المطلوبة لأي عملية تفكير .

▪️ربنا ما خلقت هذا باطلا: التوصل للحكمة من الخلق في تحديد الوظيفة والاستعداد لليوم الاخر .

▪️سبحانك : تعظيم الله تعالى والتحلي بالتواضع

▪️فقنا عذاب النار : السعي للوقاية من عذاب النار

▪️سؤال: لماذا يريدنا الله تعالى ان نخاف من النار ونطلب الوقاية منها ورحمته قد وسعت كل شيء ؟

▪️( هَبْني يا اِلـهى وَسَيِّدِي وَمَوْلايَ وَرَبّي صَبَرْتُ عَلى عَذابِكَ فَكَيْفَ اَصْبِرُ عَلى فِراقِكَ، وهبني صبرت على حر نارك فكيف اصبر عن النظر إلى كرامتك) أي معنى من الصبر في مقطع دعاء كميل ؟

▪️اشكال مطروح : لماذا يستحق الإنسان عذاب الخلود في النار لذنب ارتكبه في ساعة او حتى لكفر طيلة ثمانين سنة على الاكثر؟

▪️ما العذاب في مسخ اصحاب السبت قردة، بينما المعروف أن القردة هي أسعد الحيوانات ؟

يا دهر أُفٍّ لك من خليل    كم لك بالاشراق والأصيل

وكل حي سالك سبيل       وانما الأمر إلى الجليل

أبيات من الشعر قالها الإمام الحسين ليل عاشوراء أبدى فيها ألمه بسبب اختيار الألوف التي جاءت لقتله طريق الباطل رغم وضوح طريق الحق،

كان الكلام في سبب اختيار الإنسان للباطل: بداية طريق اختيار الباطل من كونه يعيش بلا شعور بالأيام والأحداث كالنائم في ركب يسار به، فيختار ما يختار الناس، تسوقه ثقافة المجتمع أو بيئته أو ما توارثه من دين وعلوم وتربية،

ويقابله أن ينتبه الإنسان، فيكون بكامل وعيه، ليُعمل فكره وعقله في الأمور، هنا ورد في الرواية أن (تفكر ساعة خير من عبادة سنة) أو في بعض الروايات (عبادة سبعين سنة) ، حسب نوعية الفكر الذي يعمله الإنسان، كتفكر الحر بن يزيد الرياحي في لحظة واحدة في تخيير نفسه بين الجنة والنار، ثم قال:” والله لا أختار على الجنة شيئاً)، ثم توجه إلى معسكر الإمام الحسين ، كانت لحظة تفكر واحدة أورثته سعادة الدارين .

السؤال المهم: كيف نتأكد أن تفكيرنا صحيح وسليم ؟

يتبين من قوله تعالى ” إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار” . أن أي عملية تفكير صحيحة يجب أن تتضمن هذه الثلاث غايات:

( ربنا ما خلقت هذا باطلا)

( سبحانك )

( فقنا عذاب النار) .

هنا يكون مثل هذا التفكير خير من عبادة سنة أو سبعين سنة، حسب درجة وعمق ونتيجة ذلك التفكير .

  

وقد تم توضيح العلامة الأولى: ( ربنا ما خلقت هذا باطلا ) في استخلاص أن هناك حكمة من خلق الكون، أن يعرف الإنسان أن الخلق العظيم إنما خُلق لهدف يجب أن يسعى لمعرفته، ليعرف بعد ذلك دوره ووظيفته فيه،

وكذلك ينبغي طرح الاستفهام حول نهاية وغاية هذا العالم كيف ستكون؟ (يسألونك عن الساعة أيّان مرساها) ، العالم الآخر الذي نصنعه بأعمالنا متى سيظهر؟

فيتأصل – نتيجة لذلك- في الإنسان أن هذا الكون يسير نحو غاية هي يوم القيامة، وما أدرانا ما يوم القيامة، إذا كان أحدهم يعلم بموعد مهم لدعوة في بيته سوف يبقى طول النهار يرتب له، فإذا علم أن غداً الذي لا يدري متى يحين، وقد يكون بعد دقيقة سوف تقوم قيامته فما المفروض أن يكون حاله ؟

فالتفكر الصحيح في الكون من جهة يجعل الإنسان دائماً في حالة مثارة واستنفار دائم لأداء وظيفته المطلوبة ولإصلاح حاله، حتى لا يقف موقف الخزي أمام جبار السموات والأرض، هذا الحال هو أول علامات التفكير الصحيح، (ربنا ما خلقت هذا باطلا) معرفة الغاية والاستعداد لها .

   

ثم تكمل الآية (سبحانك) التسبيح هو التنزيه والتعظيم، يعني أن يشعر الإنسان بضعفه وحاجة وجوده إلى الله العظيم وأمام هذا الكون الكبير، هذا الخضوع له فائدة عظيمة للإنسان في تربية روحه، بل هو أساس وجوده، ثانياً.

مصيبة أن يغتر الإسنان بنفسه، ويعطي نفسه حجماً خيالياً أكبر من حجمه الواقعي، يقال: وقعت ذبابة على شجرة ضخمة جداً، وحينما أرادت أن تطير ثانيةً، نقرت على الشجرة مراراً وقالت: أيتها الشجرة ، إني نويت الإقلاع فانتبهي! ( يعيش الإنسان في الغالب وهماً أنه من يعطي الوزن والقيمة، وأن الآخرين لا شيء بدونه، فلا العمل في الشركة او أحوال الأسرة يمكن أن تسير أموره على ما يرام دونه، ) فقالت لها الشجرة العظيمة: يا ذبابة إني لم أشعر بوجودك عليّ أصلا عند نزولك، فكيف أشعر بك وأنت ترحلين ؟

يصف الله تعالى حال فرعون (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرض).. هو علا ..لكن (في الأرض)، وهذا هو تشبيه وتصوير لمن ينظر إلى الأرض من فوق. مثل الدودة علت واستفحلت وهزت عضلاتها .. ولكن في إطار في الأرض لم تصعد عنها. وكأنها تقول انتبهوا لا أحطمنكم.

فكما أن من أهم علامات التفكير الصحيح في الكون، أن يعرف الإنسان وظيفته وغاية العالم ويستعد لها، كذلك من علامات التفكير الصحيح أن يعرف الإنسان حجمه، فهي نعمة عظيمة ينعم بها الله تعالى على الإنسان بالتواضع،نتيجة موازنة وجوده بوجود الله من خلال التسبيح وكلمة ( سبحانك).

ثم العلامة الثالثة للتفكير الصحيح:فقنا عذاب النار“، التفكر الصحيح له نتيجة مهمة هي أن الإنسان يكون دائماً متوجهاً لله تعالى لا ينقطع عن دعائه، وهذا الارتباط بالله جل وعلا، هو الشيء الذي يغذي الإنسان ويعطيه الطاقة والقوة ليعيش في الدنيا.

ثم هو من جهة ثانية (يخاف من النار ) فينظر دائما إلى ما يجنبه ذلك الألم، وهنا سؤال لماذا يريدنا الله تعالى أن نخاف من النار ونطلب الوقاية منها ؟

في جملة (فقنا عذاب النار) نستذكر مقطع دعاء كميل ( هَبْني يا اِلـهى وَسَيِّدِي وَمَوْلايَ وَرَبّي صَبَرْتُ عَلى عَذابِكَ فَكَيْفَ اَصْبِرُ عَلى فِراقِكَ)، ينقل عن السيد الإمام الخميني يقوله أنه يقرأ هذه الجملة تبركاً وإلاّ فإن هذا المعنى يكاد يكون أسطورة أن الإنسان يتعامل مع الله كمحب وعاشق لا يتحمل فراق حبيبه، لا فقط كرب نحتاجه وننعم بعطائه وفيضه،) ، ويعلق الشيخ جوادي آملي على ذلك بقوله ( أعتقد أن هذا الكلام من السيد الإمام هو قمة التواضع منه وإلا لن يفهم هذا المعنى أحد بطريقة أفضل من).

ثم الجملة الثانية التي تتمم المعنى:(وهبني صبرت على حر نارك فكيف أصبر عن النظر إلى كرامتك )” معنى الجملة أن الصبر عن النظر إلى كرامة الله تعالى هو أصعب الأمور وأصعب الصبر، أي معنى من الصبر هذا؟

لا شك أن تحمل المصيبة صعب بمقدار الشيء المفقود، ومن يفقد رضوان من الله فصبره في هذا الفقد أثقل الصبر لأن النعم التي ترافق ذلك الرضوان مرفوعة، فهو يقول الصبر على النار مُيَسَّر لأن الجلد قد يتحمل عذاب النار لأنه بالنهاية مادة، ولكن الروح إذا انقطعت عن اتصالها بالمركز، وبجذرها كيف تعيش؟، عذاب الروح أعلى بدرجات من عذاب الجسد، وسلب نور الله تعالى عن الإنسان أكبر أذى يمكن تخيله لأنه ينتزع من وجوده، ولأنه بهذا النور يعيش، بدون هذا النور سيظل حيران في ظلم سيتخبط بها،

يستطيع تصور هذا المعنى من كان يتمتع بتوفيق الله تعالى في أداء صلاة الليل مثلاً ، أو توفيق في فهم القرآن، وانفتاح القلب عليه، صفاء ذهني وروحي في فهم الروايات، قدرة قوية على عمل الصالحات وترك المعاصي، ثم فجأة يرى نفسه بعيداً فاقداً لكل تلك الراحة، وحينئذٍ يشعر الإنسان بثقل روحي، هو لا شك لا يقل عن الألم الجسدي إن لم يكن أكثر منه،  فكون أنه ذاق لذيذ طعم ذاك الصفاء، فإن سلب ذاك المذاق لا شك أنه يسبب له الألم.

وإذا كانت هناك غفلة واقعية ونوم واقعي فهو عن هذه النقطة بالذات، فلا يعلم الإنسان نوع عذاب يوم القيامة، يتخيل أنه عذاب خارجي ينزل عليه،

ومن هنا، يرد إشكال كيف أن الإنسان يذنب ذنباً كبيراً في ساعة معينة، كأن يقتل أو يرتكب الفاحشة، فيكون عذابه في الآخرة الخلود في النار. بل حتى لو كان الذنب هو الكفر بالله، كيف أن الله رحيم بعباده، ثم يعذَّب بالخلود في النار لمن كفر به ثمانين سنة على الأكثر.

هذا االسؤال وارد إذا كان العذاب خارجياً ، لكن الحقيقة هي أن العذاب هو ما يصنعه الإنسان بنفسه، (إنما تجزون ما كنتم تعملون)، عذاب النار هي حقيقة تعني معاناة عقل الإنسان وفطرته الإلهية، والآيات الكريمة تخاطب الإنسان أن عملكم هو الذي يجعل العقل يتعذب، وما دام العقل والروح أزليان باقيان، فالعذاب إذن أزلي باق،

تنشأ تلك النار من مخالفة السنن الكونية، الإنسان هو المخلوق الوحيد ( يضاف له الجن) الذي يمكن أن يخالف السنن الكونية، لذلك دعاء الإمام زين العابدين في شهر رمضان( وإن ملنا فيه فعدلنا)

الألم من النار يبدأ من التناقض الذي تعيشه روح الإنسان بين الهوى والعقل، روي عن أمير المؤمنين :” كم من عقل اسير تحت هوى أمير،”, وهذا المعنى ينطبق على قوله تعالى ( كل نفسه بما كسبت رهينة )

قبل حالة أسر العقل هناك صراع بين العقل والهوى، فعقل الإنسان يريد النعيم المتمثل بالقرب من الله، بينما واقع الغافل الذي يعيش في الدنيا هو جهنم، باعتبار أن كل بعد عن الله تعالى هو جهنم حقيقة، وفي الروايات يظهر أنه لا يمكن الجمع بين ملك الدنيا والآخرة  إلا لمثل روح نبي كنبي الله سليمان .

هنا يحدث تناقض بين العقل والنفس، وهذا ما يسبب الألم، كما أن وضع الزيت على النار يزيدها اشتعالا، لأن النقيضين لا يجتمعان، ولو كان الإنسان مجرد جسد مادي ليس وراءه عقل فإنه لن يتألم،

إنما يحدث الألم حين التصاق العقل وارتباطه به، فالعقل هنا هو حقيقة الإنسان، وألم العقل متفاوت على درجات، فأحياناً يكون على مستوى الكسل أو التوتر أو الاكتئاب، لكن حينما يصل إلى حد التناقض فهو أشد الالم، وهنا يتم أسر الهوى للعقل، وهنا يقف الإنسان على المحك، ويتحير الإنسان بين نصرة الإمام وخذلانه، فيقرر ألا ينصر الحسين ويقول للحسين (هذا رمحي وفرسي فخذهما )، كما قال من كان قبله( اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون،)

فألم العقل لأنه من جهة يتالم لالتصاقه بالبدن الذي يجذبه لنقيضه، ومن جهة ثانية مجذوب لطلب الحقيقة، والألم في القيامة جسماني لكن هذا الألم مصدره العقل الذي يتعذب بنار وقودها الناس والحجارة ، أساسه الفؤاد أي (نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة ). 

(كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب)، الذي يتذوق هو الإدراك، أي العقل، والنفس مختلطة بكل أبعادها بالعقل، فألم العقل هنا هو أشد العذاب، وسبب الألم أن قوى الإنسان في كل أبعاده متناقضة في حال متشاكس.

ولاحظوا قول الله تعالى:” إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمان فَتَكْفُرُونَ) هنا وصف الإنسان بأنه يمقت نفسه، أي أنه لا يستطيع أن ينسجم مع النفس، لذا يعيش العذاب الداخلي، وهذا لا يقاس بأي عذاب خارجي آخر لأن منبعه هو عذاب عقل الإنسان الذي بقي أسيراً .

فالذي يشقى هو العقل لأن النفس ترسل له في كل حين ما يضاده ويشقيه، ( ففي الوقت الذي يرفض العقل الإسراف، فالنفس تغرقه بذلك، ويكره الغيبة ومجالس اللغو، لكن النفس تضيع وقته بها، والعقل يحب الخلوة مع الله والصلاة، لكن النفس تضيع عمرها بالنوم، هنا عذاب وشقاء العقل، فالعقل والنفس شركاء متشاكسون .

ومن هنا، ترد آية سورة الملك في قوله تعالى:” لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير)، العقل كان أسيراً، والحواس الروحية كانت أسيرة، فما كنا نسمع، كانوا نيام مخدرين تحت سيطرة الهوى ،

هذه الهيئة في الإنسان تخالف ما فطرت عليها من قرب الله والنعيم بجواره، وبمقدار ما أغرق الإنسان نفسه في هواه ، فهو باقٍ في هذا العذاب والأسر للعقل، (كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق) ، الذي يذوق العذاب هو الروح التي كانت أسيرة، والذي يقوم بالتعذيب هي النفس المتسلطة.

يقول الله تعالى :”إنا كل شيء خلقناه بقدر“،  فإذا خالفتم القدر سوف تتغير الهيئات،

واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها“، وانسلاخ الروح عن الآيات يعني أنها كانت في فترة ما ملتصقة أشد الالتصاق بها، لكن النفس انتزعتها منها كما ينزع الجلد، وهو بمثابة إعلان الاستقلال عن تعاليم الله تعالى.

وفي الواقع فإن أكثر ما يؤذي الإنسان هو الحرية المطلقة، لذلك كان دعاء النبي الدائم ( إلهي لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا )، لأن الواقع أن الإنسان فقير محتاج إلى الله تعالى،

(أعطى كل شي خلقه ثم هدى)،

لذلك يوصي العلماء بأن أفضل الأعمال هو النظر إلى القرآن الكريم، ولا شك أنهم يقصدون بالنظر أي النظر القلبي والارتباط بالقرآن، لأن النظر إلى القرآن الكريم في حقيقته مرتبط بالنظر إلى الإمام المهدي باعتبار أنهما كيان واحد يتمثل بالارتباط بالثقلين. بالعروة الوثقى بالحبل الذي ينجي الإنسان .

لذلك من أجمل الأدعية ( واجعل قلبي بحبك متيما)، حتى لا يكون هناك نقطة فارغة يمكن أن تتسلل إليها وساوس الشيطان أو النفس الأمارة .

كذلك دعاء ( إلهي هب لي قلبا ( كل الناس لديهم قلوب، ولكن البعض عندهم قلوب لا يفقهون بها ) يدنيه منك شوقه ، ونظرا يقربه منك حقه) فالدعاء يتضمن طلب جانب روحي وجانب عقلي،

وكل باحث عن الله تعالى وعن الحقيقة بقدر ابتعاده عن الحق يبتعد عن الله .وهذا ما يجعل الإنسان يعيش الألم لأنه قال باطلاً وفعل باطلاً، لأن درجات الجنة بإزاء درجات النار، بقدر ما يقترب من الجنة فهو يبتعد عن النار، وإن الشخص الذي تُسوّل له نفسه فعل ما يشتهي وما يريد، ويتجاهر بذلك، فهو شخص سجين لذاته، وأسير لشهواته ورغباته.

   ومن صور تحذير الله تعالى الغافلين في الدنيا، اللاهين بدنياهم، وهم يعلمون أن أرواحهم تنتمي إلى عالم غير هذا العالم، وأن القلب إنما خلق ليكون عرش الرحمن، وليرى ويعيش عالم خلق منه “ونفخت فيه من روحي “، مع ذلك يحبسون هذه الروح باهتمامات هذا العالم، وفرضوا عليها عالم مادي بعيد عن وجوده . يقرب لهم هذه الصورة بقصة أصحاب السبت ،

لو كشف للإنسان الغطاء لعلم أن القلوب اللاهية بالدنيا تتعذب من الشعور بالغربة، لأنها تنتمي إلى عالم غير هذا العالم، بينما هو قد حبسها باهتمامات هذا العالم، ولو كشف له الغطاء لرأى بعض القلوب تتعذب كما تعذب أصحاب السبت ،

والحديث عن أصحاب السبت ليس عن الجرم الذي ارتكبوه، ولكن السؤال المهم ، ما هو العذاب في مسخ الإنسان وانقلابه قردا ، من يدخل حديقة الحيوان ربما يرى أن القرود هم أكثر المخلوقات سعادة ربما أكثر من الإنسان، إذاً، كيف يعتبر الله تعالى انقلاب الإنسان إلى قرد هو عذاب بالنسبة إليه ؟

والسؤال نفسه بصيغة أخرى : ورد في وصف حال الناس يوم القيامة أنهم يأتون بأشكال مختلفة منها القردة والخنازير، بل حتى في وصف أكلة الربا بأنهم (لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس أي المجنون . وكل من القردة والمجانين سعداءحسب الظاهر. فما حقيقة العذاب في ذلك ؟

من الممكن أن حصيلة عمر الإنسان في الدنيا قد يراها في رصيد في البنك، أو أولاد فتحت لهم أبواب المستقبل والتجارة وأرصدة البنوك فأصبحوا أطباء ومهندسون وتجار، ولكن قليل من الناس من يتوجه إلى رصيد تلك السنين في نفسه، ما هي الثوابت في هذه النفس؟ وماذا  بنت هذه السنين في داخلها ؟ وينبغي أن لا تُحسب تلك الحسابات بالكم (في عدد الختمات والحجاب والزيارات)، بل بالكيف ..

  وحينما يروى أن بعض الناس يحشرون على هيئة الحيوان في يوم القيامة، فليس المقصود هو أنهم تحولوا فجأة إلى حيوانات، بل ان هذا التحول كانت نتيجة مرور فترة طويلة من الاهتمام بالأكل والشرب وعدم استعمال العقل وعدم المبالاة بدين الله، وهذا ما يحذر منه أمير المؤمنين :” فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات، كالبهيمة المربوطة، همها علفها،

نتيجة الانغماس في ملهيات الدنيا، تبدأ النفس بأخذ الصفات الحيوانية أولا بدرجة (كالحمار يحمل أسفارا)، أو (كالكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) أو (كالأنعام) ثم مع مرور السنين الطويلة تسقط ( الكاف) وتتحول هذه الصفة إلى ملكة وتصبح قوية بالشكل الذي تأسر كل الرغبات الفطرية، وهنا يصبح مثل هذا الإنسان حقيقة حيوان لا مثل الحيوان ، وهذا تعبير عن انتهاء جهاد النفس بغلبة النفس الأمارة بالسوء .

هناك يقول القرآن الكريم في وصف أولئك:( ختم الله على قلوبهم) أو يقول (لهم قلوب لا يفقهون بها ). ويصفهم أمير المؤمنين عليه السلام: ( الشكل شكل إنسان والقلب قلب حيوان  وذلك ميت الأحياء) .” فالروح والعقل الإنساني موجوديا ولكنهم أسرى للقلب الحيواني .

  

وهذا الإحساس بالأسر غير موجود في الدنيا بسبب حجب الدنيا وغطائها، لكنه يظهر في القيامة، التي تكشف فيها الحجب وتظهر السرائر، فالقاعدة أن يحشر الناس على أحوال قلوبهم لا أشكالهم، فمثل هذا الإنسان يحشر بشكل قلبه الحيواني وهو يحمل روحه الإنسانية نفسها الأسيرة ،وبمقدار ما يشعر الأسير بالعذاب إذا  كان سجانه متوحش، يشعر هذا الإنسان في الآخرة  بالعذاب لأن سجانه حيوان ،

  

فالعذاب هنا ليس بسبب أن شكله أصبح شكل قرد، لأن قردة العالم غير معذبة بل تبدو أسعد المخلوقات لأنها بلا عقل، بل العذاب لأن عقله وروحه أسيرة تحت سجان وجلاد هو حيوان . العذاب هو في قوله تعالى ” كونوا قردة خاسئين ” فكونه خاسئ هو العذاب، لأنه عاقل يتألم، عاقل يعاني الأسر، ويعاني العذاب من سجانه الحيوان . وهذا ما يفعله الغافل في نفسه، حينما يساعد الهوى في أسر النفس بسجنها وتعذيبها،   

عودة لأصحاب السبت، الذين عصوا الله كثيراً وأمهلهم كثيراً، وكأنهم في فترة حياتهم كانوا يربون الروح الحيوانية داخلهم، فعذاب الله تعالى لهم تحقق لا على نحو أنه جل وعلا قد سلبهم عقولهم، وقلب أشكالهم إلى قردة، لأن القرد سعيد غير معذب، ولكنه تعالى أظهرهم بالصورة التي سوف يظهرون بها يوم القيامة، فجعل أعمالهم متجسدة أمامهم ،

    اتضح أمام كل واحد منهم الروح الإنسانية التي في داخله محصورة وسجينة، وأسيرة تلك الرغبات الحيوانية، فكانت النتيجة أنهم لم يتحملوا هذا الحال. من الأمور المؤلمة أن يكون العاقل سجين تحت سلطة حيوان .

     

لذا ورد في الروايات أن تلك الممسوخات من قردة أصحاب السبت لم تبق في الدنيا أكثر من ثلاثة أيام، ثم ماتت جميعها، كان العذاب شديداً بحيث ما استطاعت أن تتحمل ألم ذلك العذاب أكثر من ثلاثة أيام .

    

لذلك، العبرة المؤلمة والصعبة في هذه القصة التي يمكن استفادتها هي أنه كيف يمكن للإنسان الذي يحشر في القيامة على هيئة قرد نتيجة لأعماله السيئة، وبعده عن الله تعالى، وعدم التزامه بدين الله جل وعلا ، كيف يستطيع تحمل نفس هذا العذاب، الذي ما استطاع الممسوخين من أصحاب السبت تحمله اكثر من ثلاثة أيام، والقيامة زمنها ممتد ما تجري فيها الأيام والسنين . فضلاً عن نار جهنم وأنواع العذابات الأخرى.

    الفطرة الإلهية لا تنعدم، والعقل لا ينعدم، وهو في صراع دائم مع النفس الأمارة بالسوء، إما أن ينتهي الصراع بفتح ونصر للروح ،  أو أن تنوء بالفشل والأسر، وبحسب جهاد العقل والروح والفطرة يحصل الجزاء إما نور يسعى بين يديه، أو يُمسخ كما مُسخ أصحاب السبت، وتكون هناك المعاناة للفطرة والعقل الأسيرين .

   

ومن اجل تحرير العقول من سباتها، كانت النهضة الحسينية، كان الإمام يريد من خلال هذه التضحية أن يشعر النفس بإنسانيتها التي فقدتها باستسلامها للدنيا ..

جاء الإسلام وبشكل عام كل الأديان لترفع العوائق أمام الناس ليتمكن من الاختيار، وإلاّ فالغالب أن الإنسان ما دام يعيش في بيئته، ولن يجد خياراً آخر فهو سيتبع أفكار آبائه وأجداده . ودائما هناك خيارات في حياة الإنسان، وقد تكون تلك الخيارات بسيطة أحياناً، وثقيلة أحياناً أخرى، وتكبر الخيارات كلما زادت هموم الإنسان، وفي حياة الإمام الحسين كانت هناك خيارات.. بين طاعة اللئام ومصارع الكرام ، فقال :” أَلاَ وَإنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعِيِّ، قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ: بَيْنَ السِّلَّةِ وَالذِّلَّةِ؛ وَهَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ، يَأَبَى اللَهُ ذَلِكَ لَنَا وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ، وَحُجُورٌ طَابَتْ وَطَهُرَتْ، وَأُنُوفٌ حَمِيَّةٌ، وَنُفُوسٌ أَبِيَّةٌ، مِنْ أَنْ نُؤْثِرَ طَاعَةَ اللِئَـامِ عَلَى مَصَـارِعِ الْكِرَام “.

  وفي المقابل هناك من كانت أمامه خيارات إما قتل الحسين أو خسارة ملك الري

كانت ساحة الطف يوم تصفية النفوس، يوم الخيارات، ويوم تحديد الأولويات، وأبرز ساحة ظهرت فيها البصيرة، فالذين كانوا يأخذون طرفاً من الدنيا، وطرفاً من الآخرة، لم يستطيعوا أن يسايروا الحسين في كربلاء رغم أنهم كانوا يعيشون صراعا في نفوسهم، فخذلوا الحسين وتركوا نصرته فخسروا الدنيا والاخرة.

                                                                                     إنا لله وإنا إليه راجعون

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى