أيها الناس: دينَكم دينَكم (1)

الأربعين 20 صفر – أمير المؤمنين (ع):”أيها الناس دينَكم دينَكم “(١)
عناصر الحديث:
– مفهوم الدين وأهمية الإمساك به بقوة
– إقامة الصلاة كمنهج حياة (من خلال ملحمة الحسين ع)
– كربلاء كمرآة للدين ومعيار للحق
رحاب الولاية ومعراج الدين
عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) كثيراً ما يقول في خطبه: أيها الناس، دينكم دينكم! فإن السيئة فيه خير من الحسنة في غيره؛ فالسيئة فيه تغفر، والحسنة في غيره لا تقبل».
وقوله (عليه السلام) «كثيراً ما كان يقول » إنما هو نبض لوصية باقية لا تتبدل، وتأكيد حي لا يرضى بالانصراف عن أصل المعتقد. فالإمام (عليه السلام) لا يكتفي بالدعوة إلى مجرد المعرفة، بل يحث على التمسك الوثيق، كما تنطق آيات الكتاب العزيز: ﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾، أو في وصفه للمصطفين الأخيار بأنهم ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾؛ ولأن التمسك الحق لا يتبين عيانه إلا عند محاولة الإفلات والانتزاع، جاء التكرار البليغ في قوله «دينكم دينكم» ليحمل في طياته أسلوب الإغراء المنسوب لفعل محذوف تقديره: ألزموا دينكم واحفظوه، مبالغة في الشدة وتثبيتاً للعروة الوثقى.
وحين يطالب القرآن بحفظ الدين، فإنه يأمر بأن يجعل الإنسان منه المحور الذي تدور حوله رحى الوجود. فلو أن الإنسان خطط حياته كصحيفة أو دفتر، فجعل جوهر الأصل في الحاشية وجعل الفضول والزخارف في المتن، لانقلب الميزان وبات العيش على غير استقامة. إن مكان الدين الحق هو مركز القلب وواسطة العقد، فإذا تراجع إلى الهامش انكسرت بوصلة الوجود وتخبط السالك في تيه الضلال.
سر مغفرة السيئة وعدم قبول الحسنة
«فإن السيئة فيه خير من الحسنة في غيره».. قد يطرق السمع وهج هذه العبارة فيدهشه؛ كيف تكون السيئة خيراً من الحسنة؟ وليست العبارة دعوة لارتكاب الخطيئة، بل هي ميزان دقيق يقيس الفعل بمدى انتسابه إلى رحاب ولاية الحق. فالسيئة في ظل الدين تُغفر، والحسنة خارجه لا تقبل.
ولماذا تُغفر السيئة في دين الحق؟ لأن الله تبارك وتعالى هو الغفور الرحيم، ولأن ولاية الله وأوليائه حصن حصين؛ فما دام الإنسان آوياً إلى هذا الحصن، متفيئاً ظلال إمامته، فحتى لو ألمَّت به زلة أو عثرة، فهو في سعة عفو الله ومغفرته متى ما تاب منها واستغفر.
ولماذا لا تُقبل الحسنة في سواه؟ لأن شرط القول هو التقوى والإخلاص المتصل بحبل الولاية، عملاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27].
وهذا المعنى يضيء جنبات الحديث الشريف: «حب علي حسنة لا تضر معها سيئة»، وليس المراد منه تشجيع النفوس على اقتراف المعاصي، بل هو بيان بليغ لفضل الإيمان الثابت بمحمد وآل محمد (عليهم السلام)؛ فإذا استقر هذا النور في القلب، مُحي أثر السيئة بالتوبة النصوح والانكسار بين يدي الخالق،
أما إن انعدم هذا الإيمان وتلاشت عرى الولاية، فلا قيمة لأي حسنة مهما عظمت ولا تُقبل عند الملك الديان، لأن ولاية أمير المؤمنين هي الباب والدين الذي ارتضاه لعباده؛ فلا تُقبل الحسنة دون الولاية، لأن الله عز وجل لا يُطاع إلا من حيث أَراد، ولا يُبتغى رضاه إلا بالطريقة التي ارتضاها، لا على وفق أهوائنا المتقلبة؛ ولنا في إبليس عبرة بليغة، إذ عبد الله تعالى ستة آلاف سنة -وكان مستعداً لعبادته ستين ألف سنة أخرى- ثم عصى أمر رَبّه في سجدة التكليف لآدم(ع)، لأنه أراد العبادة على هواه لا وفق أمر الله.
وقد يتخيل الإنسان طريقاً لطاعة الله من تلقاء نفسه، فيُقبل على المستحبات طالباً قربها ويغفل عن الواجبات المفترضة؛ فيقضي أوقاتاً طويلة في النوافل أو المجالس أو خدمة الناس، مقابل تقصير فادح في أداء ما افترضه الله عليه عيناً. فما هو هذا الدين المقصود إذن؟ إنه التسليم المطلق لله ورسوله، ثم امتداد النبوة في ولاية أهل البيت (عليهم السلام)، فهم الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا التواء.
فالسيئة في ظل الولاية -مع التوبة الصادقة- أرجى عاقبة من الحسنة خارج هذا الحصن المنيف (وهذا بطبيعة الحال في حال الجحود لمن عرف حق الولاية ثم أنكرها، أما المستضعفون والجاهلون فلهم حكم آخر عند رب العالمين).
الإسلام: محمدي الوجود، حسيني البقاء
ونحن نعيش ذكرى أربعين الإمام الحسين (عليه السلام)، نستذكر الدين العظيم الذي أقامه الحسين بدمه الطاهر، فالإسلام كما قيل بحق: «محمدي الوجود، حسيني البقاء».
ومن الملاحظ كم كرر الإمام الحسين (عليه السلام) كلمة “الدين” منذ أن أراد الخروج إلى أرض الطفوف؛ فحين خروجه من مكة، وتأمل حال الناس قال: «الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم..». وكررها يوم نزوله الى كربلاء ، وكذلك يوم العاشر من المحرم في ذلك الموقف العصيب،
وحين وقف وحيداً يرى الأعداء يتجهون نحو الخيام هتف بكلمته الخالدة: «إن لم يكن لكم دين، فكونوا أحراراً في دنياكم».
وأبو الفضل العباس حين قُطعت يمينه (عليه السلام)، حمل على القوم وهتف بشجاعة نادرة: «والله إن قطعتم يميني، إني أحامي أبداً عن ديني». ولا عجب في ثبات العباس وفدائه للدين حتى آخر قطرة من دمائه؛ إنه أبو الفضل!
بنية الدين وتمام الصلاة
يُعرف الدين في الاصطلاح الإسلامي بأنه: جملة العقائد الحقة، والأحكام العملية من الواجبات والمحرمات، والأخلاق الفاضلة. وفي دلالة اللغة هو “الطاعة”. ويصف القرآن الكريم حقيقة الدين بأنه الإيمان المشفوع بالعمل الصالح: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: 125]. فتأمل روعة هذه الآية: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ تُمثل الجهد والوجهة الروحية الخالصة، بينما ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ تُمثل التطبيق العملي الخارجي. فالدين بناء متكامل؛ لا يقوم بما في القلب دون عمل، ولا يعتمد على العمل المجرد دون إخلاص القلب وصدق توجهه.
وحين نزور الإمام الحسين (عليه السلام) نخاطبه بالقول: «أشهد أنك قد أقمْتَ الصلاة»، اقتداء بالإمام الصادق (عليه السلام) ونعني بها تلك الصلاة العظيمة الرفيعة الصادرة من روحه الشريفة، قائمة أبد الدهر. التي قام بها الدين، والقرآن الكريم يركز دائماً على إقامة الصلاة لا مجرد أدائها؛ فهو يمدح الذين هم على صلاتهم يحافظون، لكنه حين يصف أوليائه المقربين يقول: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ أي أنهم حفظوا ظاهرها وأسرارها ومعانيها العميقة.
وليس المقصود بالصلاة هنا مجرد حركات تؤدى في أوقات محددة، بل هي صلاة دائمة مستغرقة لكل تفاصيل الحياة، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: 23]. إنها انبساط لروح الصلاة في حياة الإنسان حتى يرى الناظر إليه مجسداً لأنوارها؛ فإقامة الصلاة تعني: إقامة العدل، إقامة الحق، إقامة المعروف، وإقامة حدود الله في الأرض.
حين نخاطب الحسين (عليه السلام) بالشهادة بإقامة الصلاة : «أشهد أنك أقمت الصلاة»، فنحن نشهد بأنه لم يسجد بجبينه فحسب، بل جعل سجوده منهج حياة لا يحيد، وركوعه خضوعاً تاماً وتسليماً مُطلقاً، وتكبيرة إحرامه إعلان براءة صارخ بوجه كل طاغوت مستكبر. صلاة المولى الحسين في كربلاء لم تكن ركعتين في عجالة دقيقتين، بل كانت صلاة ممتدة عبر التاريخ وما زالت تُقام. وقولنا: «أشهد أنك أقمت الصلاة» معناه: أشهد أمام محكمة الضمير والتاريخ أنك أقمت الإسلام كله، واقفاً وحدك في وجه أمة بأكملها.
الشاهد في محكمة التاريخ
إن الإمام الصادق (عليه السلام) يعلمنا أن نقول في الزيارة «أشهد»، لأنه لا يريد للزائر أن يغادر عتبات الطف باكياً فحسب، بل يريد منه أن يبرز شاهداً يحمل القضية ويمضي في ركب المسيرة.
«أشهد أنك أقمت الصلاة» تعني: أشهد أمام محكمة التاريخ أنك أقمت الدين بإقامة روحه في الصلاة، وأشهد على نفسي أني سأقتدي بروح صلاتك وشموخها؛ ولذلك فإن السجود على تربة الحسين الطاهرة يخرق الحجب السبع، لأن المسألة ليست مجرد طلب ثواب أخروي، بل هي اقتداء تام بالحسين (عليه السلام)، إذ لا يستقيم دين امرئ حتى يقيم صلاته بروح القيام والركوع والسجود.
الإمساك بالدين بقوة
لقد أجهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) نفسه الشريفة وأتعبها في سبيل هذا الدين القويم، حتى خاطبه الجليل جل جلاله بقوله: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: 1-2]. كان إمساك النبي (صلى الله عليه وآله) بالدين قوياً وثقيلاً، والأئمة الأطهار (عليهم السلام) نور واحد؛ تارة يظهر هذا الإمساك بصورة صلح حكيم مع أعداء الله حفظاً لبيضة الإسلام، وتارة بالمقاومة والمواجهة المباشرة دفاعاً عن روح الإسلام.
الإمساك بقوة بالدين يعني: معرفة التكليف الإلهي بدقة والإصرار على تنفيذه مهما كانت الأثمان، وأن يحمل الإنسان همّ الدين في قلبه وعمق وجدانه ويسعى لحمايته من أي خطر تماماً كما يحمي أهله وولده. ومن أعظم الهموم اليوم أن تُشوه صورة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المحافل العالمية، فيُصور في بعض الكتب على أنه محب للهو والطرب، بينما تُجهل حقيقة مذهب آل البيت وأنوار هدايتهم.
وحين يقول الإمام (عليه السلام) إن «الدين لعق على ألسنتهم» أو «إن لم يكن لكم دين فكونوا أحراراً»، رغم أن الأذان كان يصدح في المساجد والناس يصلون ويصومون، فإنه يعلن حقيقة ناطقة: إن الكثير ممن كاتبوا الحسين وعاهدوه ثم وقفوا يقاتلونه كانوا مسلمين يشهدون الشهادتين بألسنتهم، لكنهم بلا دين حقيقي في واقع قلوبهم؛ وقد ظهر هذا الخواء جلياً حين دخل مسلم بن عقيل الكوفة فبايعه الآلاف ثم تخلوا عنه في ساعة الاختبار! هناك ظهر من له دين ممن لا دين له.
كربلاء المرآة الصافية
كربلاء هي المرآة الصافية التي يتجلى فيها للإنسان أهداف الإمام الحسين (عليه السلام)، ومن خلالها يقيس الإنسان حقيقة نفسه وصدق دينه:
- رسائل النور: إن كلمات الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء مركبة من النور تمنح الروح صحتها وشفاءها؛ فتارة يعلن عشقه الكبير لله متخففاً من الخلق أجمعين من أجله، كما قال الشاعر يصف حاله( تركت الخلق طرًّا في هواكا) وتارة يترجم حب الصلاة كاشفاً عن علقته الوثيقة بربه بقوله: «إنه يعلم أني أحب الصلاة له»، ثم يربط بين هذا العشق العظيم وبين التضحية بقوله: «يا سيوف خذيني!»، فالحسين الذي عشق الله وأحب الصلاة هو منقذ الدين ممن جعلوه لعقاً على ألسنتهم.
- تجسد أركان الصلاة في الطف:
- تكبيرة الإحرام: بدأها الحسين (عليه السلام) يوم رفض بيعة يزيد، وختمها يوم استشهد، مُنزهاً الإسلام عن تحريف بني أمية الذين جعلوا الدين أداة لسلطتهم ولعبتهم السياسية.
- الحمد لله: ظهرت واضحة في إشراقة وجهه المبارك ليلة العاشر، وحتى في الرمق الأخير حين قال مسلماً أمره لربه: «رضاً بقضائك، تسليماً لأمرك».
- إياك نعبد: تجلت في وقوفه وحده أمام أمة، كأنه يقول بلسان حاله ومقاله: لا أتكئ إلا عليك يا رب العزة والجلال.
- وإياك نستعين: ظهرت في دعائه الخالد يوم عاشوراء: «اللهم أنت ثقتي في كل كرب»، وتلك هي الاستعانة التي أقامت الدين وثبّتت أركانه.
- الركوع: تمثل في انحنائه الأبوي على جسد علي الأكبر والقاسم (عليهما السلام)؛ وهو أعظم ركوع في التاريخ: أن ينحني الأب الحنون على جسد ابنه القتيل ليقول بكل تسليم واحتساب: «اللهم تقبل هذا القربان».
- السجود: تجسد في سقوطه على الأرض وتراب كربلاء الطاهر يغطي جبينه الشريف، فسجد فارتقى الإسلام والأمة بأرضه وسماه بروح صلاته التي أقامها شامخة لا تهتز.
السلام عليك يا مولاي يا أبا عبد الله الحسين